إن جودة الحياة الوظيفية تمثل منظومة متكاملة من متطلبات ومقومات ومعايير فنية وإنسانية، بهدف تحقيق حياة وظيفية لائقة للعاملين، وصيانتهم من أي مهددات أو مؤثرات تؤثر بصورة سلبية على أدائهم وإنتاجيتهم وعلاقة بعضهم الببعض، وكذلك علاقاتهم بمنظماتهم. ومن تلك المؤثرات ما يعرف بالاحتراق الوظيفي Job Burnout الذي يعد أحد العوامل المؤثرة على العاملين، ويحول دون قيامهم بمسؤولياتهم على الوجه المطلوب، مما يمنع ذلك من وصول المنظمات لأهدافها المرجوة.
إن تأثير الاحتراق الوظيفي في التكاليف الصحية والوفيات في أمريكا يكلف الكثير، حيث يتم إنفاق ما يقارب 190 مليار أي ما يقارب 8% من نفقات الرعاية الصحية الأولية، ويتسبب في 120 ألف حالة وفاة سنوياً، ويجعل615 مليوناً في جميع أنحاء العالم يعانون من القلق والاكتئاب، ومن أكثر الفئات عرضة للاحتراق المهني هم الأطباء والممرضات، وتعتبر معدلات الانتحار بين مقدمي الرعاية الصحية أعلى من باقي المهن، حيث تتراوح الزيادة بينهم من 40 إلى 130%، كما أن معدل الاستقالة والتسرب الوظيفي أعلى بكثير في تلك المؤسسات التي تعاني من ضعف الأنظمة المعنية برفاهية الموظف. (التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية، 2022).
تاريخ الاحتراق الوظيفي
بدأ الاهتمام بمفهوم الاحتراق الوظيفي نتيجة للدراسات التي أجريت على الانفعالات والاستثارات النفسية، ويعتبر (فريدنبرجر) (Freudenberger) المحلل النفسي الأمريكي هو أول من أدخل مصطلح الاحتراق إلى حيز الاستخدام الأكاديمي وذلك عام 1974م، ولكن أعمال أستاذة علم النفس بجامعة بيركلي الأمريكية «كرستينا ماساك Maslach» عام 1982م مثلت الريادة في دراسة وتطوير مفهوم الاحتراق الوظيفي. (الهداب، المخلافي، 2020).
وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية (الإجهاد النفسي الوظيفي) أو (الاحتراق النفسي المهني) Occupational Burnout، ضمن قائمة التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض، حيث تم الاعتراف بهذه المتلازمة عالمياً في العام 2022. (منظمة الصحة العالمية، 2022).
مفهوم الاحتراق الوظيفي
من أكثر التعريفات العلمية قبولاً واستخدامًا لمفهوم الاحتراق الوظيفي، تعريف "ماساك" و "جاكسون" (Maslach & Jackson, 1981) اللذان عرفاه بأنه: "إحساس الفرد بالإجهاد الانفعالي، وتبلد المشاعر، وانخفاض الإنجاز الشخصي".
وعرفه (فيدرابيسي، 1993م) (Pedrabissi et al., 1993) بأنه: "حالة تتسم باللا مبالاة والانعزال والتجرد والسلبية في العلاقات الشخصية الناجمة عن الشعور بالضغوط النفسية التي يتعرض لها الفرد في عمله". (الهداب، المخلافي، 2020).
أبعاد الاحتراق الوظيفي
أشارت نتائج دراسة (ماسلاش & جاكسون، 1981م) (Maslach & Jackson, 1981) إلى وجود ثلاثة أبعاد لظاهرة الاحتراق الوظيفي، والمتمثلة في الإنهاك العاطفي، وتدني الإنجاز الشخصي، وفقدان العنصر الإنساني أو الشخصي في التعامل، وهذه الأبعاد هي :
الإنهاك العاطفي Emotional Exhaustion: هو الشعور بالإرهاق العقلي والانفعالي. (عياصرة وحمادنة، 2021، ص 196).
تدني الإنجاز الشخصي Diminished Personal Accomplishment: يعني ميل الفرد لتقييم ذاته بشكل سلبي، والشعور بتدني الكفاءة والفعالية في الأداء الشخصي.
فقدان العنصر الإنساني أو الشخصي في التعامل Depersonalization: يتمثل في اتخاذ مواقف سلبية تجاه الفرد متلقي الخدمة وقلة العناية به. (أبو مسعود ، 2020، ص 63).
مصادر الاحتراق الوظيفي
تتعدد وتتداخل مصادر الاحتراق الوظيفي، وهي ترتبط في السياق الخاص بحدوثها، كما أنها تختلف من شخص إلى آخر. (بن منيع، 2009، ص 33).
ويمكن تصنيف مصادر الاحتراق إلى مستويين رئيسين هما:
المستوى التنظيمي والوظيفي: وهو العامل الرئيس المسبب للاحتراق الوظيفي، ويضم بيئة العمل المادية (الحرارة والهواء والضوضاء) والتنظيمية (الهيكل التنظيمي، والسياسات والإجراءات، ووضوح الأهداف)، وأيضًا جو العمل والعلاقات مع الآخرين، وطبيعة عمل الموظف وما يتضمن من صراع وتضارب الدور وغموضه، والعبء الوظيفي وضغط العمل.
المستوى الفردي: يرتبط بسمات الفرد الشخصية المتمثلة في الخصائص العقلية والعاطفية والجسدية والديموغرافية.
وفقًا لتقرير صدر سنة 2018 عن مؤسسة (جالوب) للتحليلات والاستشارات الإدارية (Gallup company)، فإن للاحتراق الوظيفي عدة أسباب رئيسة؛ أولها ضغط الوقت غير المعقول، ويمثل نسبة 70%. السبب الثاني قلة التواصل والدعم من المدير، ويعتبر الموظفون الذين يشعرون بدعم قوي من مديرهم أقل عرضة للاحتراق بنسبة 72%. ثالثاً عدم وضوح الدور وغياب الهدف لدى الموظف. (الهداب، المخلافي، 2020).
آثار الاحتراق الوظيفي
يترك الاحتراق الوظيفي آثارًا سلبية ومتعددة على الفرد، وقد تكون هذه الآثار فسيولوجية كالصداع والقرحة وأمراض القلب، أو نفسية كالغضب السريع والأرق والشعور بالإحباط والكآبة والملل، أو سلوكية كالانعزال أو العدوانية أو زيادة التدخين وتعاطي المخدرات. (النفيعي، 2020، ص 68).
وأشارت دراسة أجرتها مؤسسة (غالوب) للأبحاث عام 2018 على (7500) موظف في أمريكا؛ إلى أن الإنهاك الجسدي والنفسي هو محصلة للمعاملة غير العادلة في بيئة العمل وضغوط العمل، وعدم وضوح طبيعة الدور الذي يضطلع به الموظف، وقد يصاب الموظف بالإجهاد والتوتر بسبب عدم الحصول على التشجيع الكافي أو ضغوط العمل، وفق أطر زمنية غير واقعية.
وذكرت منظمة الصحة العالمية في التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض عام 2022 ثلاثة أعراض أساسية للإنهاك المهني؛ وهي الشعور بالإعياء واللامبالاة حيال الوظيفة وتدني الأداء في العمل، وقالت كذلك؛ إنها ظاهرة مهنية وليست حالة طبية. (منظمة الصحة العالمية، 2022).
علاج مشكلة الاحتراق الوظيفي
بحسب دراسة أجرتها جامعة هارفرد، أثبتت الدراسة أن تقليص ساعات العمل في المملكة المتحدة حسَّن من شعور الفرد بالرضا عن وضعه الوظيفي وحياته بالمجمل بنسبة 77%، وخفض معدل الإصابات بالأمراض خاصة الموسمية بنسبة 54%، وزادت مشاركة الفرد في النشاطات الاجتماعية بنسبة 78%، وحددت الدراسة أن جودة العمل تحسنت بنسبة 64% وتناقصت حالات الاحتراق الوظيفي بشكل دراماتيكي، وزاد مستوى الإنتاج بنسبة 45%.
ومن وسائل علاج الاحتراق الوظيفي المعاملة العادلة، والبعد عن المحسوبية، والتعويض العادل، وحسن المعاملة في العمل، وتخفيض مستوى الإرهاق العالي.
الخاتمة:
يتبين لنا مما سبق أن الاحتراق الوظيفي يعتبر من متلازمات العصر الحالي كما أشارت إليه منظمة الأمم المتحدة، وفي رأينا أن من أفضل وسائل العلاج:
1- تشجيع الموظف على أداء عمله من خلال تقديم التعزيز بأنواعه، يساعد على تقليل الشعور بالاحتراق الوظيفي ويعزز المنافسة العلمية لديه.
2- تغيير اتجاه الموظف نحو عمله وجعله أكثر تقبلاً له، مما يؤدي إلى مضاعفة جهده والإبداع في عمله.
3- الاهتمام بالموظف من جميع الجوانب المحيطة به، لأن إحساسه بالاهتمام والمساندة يقلل من الاحتراق النفسي لديه.
4- فهم الضغوط المهنية التي يعاني منها الموظف ومساعدته في التغلب عليها لكي يؤدي وظيفته بالشكل المطلوب.
5- إقامة دورات تثقيفية تأهيلية بصورة مستمرة للموظف لغرض الوقوف على آخر المستجدات في وظيفته، مما يشجعه ويساعده في أداء عمله بصورة أكثر إيجابية.
وفي النهاية نوصي بما يلي:
1- اعتماد نظام للحوافز يقوم على المنافسة بين الموظفين، ويقلل من الاحتراق الوظيفي.
2-النظر إلى العمل من زاوية جديدة.
3- أن ينظر الموظف إلى القيمة التي يضيفها العمل لديه أو لغيره.
4- البحث عن السعادة الخاصة في جوانب الحياة الأخرى التي تسبب الراحة النفسية والسعادة، مثل العائلة، والأصدقاء، والهوايات، والعمل التطوعي.
5- الاستجمام والراحة والبعد عن التفكير في العمل بفترات إجازة نهاية الأسبوع.
6- إقامة علاقات اجتماعية جيدة داخل العمل وتمتد إلى خارجه.